ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

299

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

الذين طالت أعمارهم فيها وكثرت تصاريفهم في مصائب أيامها ، واشتدت عنايتهم في طلبها ، وتعبت أبدانهم في خدمة أهلها ، ولم يحظوا من نعيمها ولذاتها وائتمروا بأوامر صاحب الشريعة ولم يتعدوا حدودها ، وقد وصفهم اللّه ( تعالى ) في القرآن في آيات كثيرة ، وأما أشقياء الدنيا والآخرة جميعا فهم الذين بخسوا حظهم في الدنيا فلم يمكثوا فيها وشقوا فعاشوا فيها طول أعمارهم بأبدان مغمومة ونفوس مهمومة ولم ينالوا خيرا ثم لم يأتمروا بأوامر الشريعة ولم ينقادوا لأحكامها ولم يتعظوا بزواجرها ولم يعملوا في عمارة بنيانها ولا في حفظ أركانها فهم الذين خسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ، وهذه الأربعة أقسام وجدتها منظومة في أبيات نسبت إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام وقد تقدم ذكرها . وقال أبو محمد في قصص الأنبياء : كما أن اللّه ( تعالى ) خلق في الجسد أربعة أنواع من الخلق هن ملاك الجسد : السوداء والصفراء والدم والبلغم ، كذلك جعل في الدين أربعة أركان : الخوف والرجاء والتوكل والمحبة ، فمعدن الخوف في معنى التركيب المرة السوداء لأنها باردة يابسة ، كذلك الخوف بارد يابس تطفأ نيران الشهوة ببرودته ، ويبس تحريك الجوارح عن المعاصي بيبوسته وتصديق ذلك ما قيل : من خاف مقامه كلّ لسانه ، ومعدن الرجاء في معنى التركيب المرة الصفراء لأنها حارة يابسة ، كذلك الرجاء حار يابس بحرارته ينشط العبد حتى يجد من الوجود حرارة الجسد في طاعة اللّه ، ويبوسته تشتد الجوارح بإتيان الاجتهاد ونفي التواني والكسل عنه ، ومعدن التوكل في التركيب البلغم لأنه رطب بارد وكذلك التوكل رطب بارد برطوبته يقنع العبد بالقليل ويستغني عن الكثير وببرودته يترك العبد التكلف في طلب المعاش ، ويستفيد الراحة في القوت ومعدن المحبة في معنى التركيب الدم لأن الدم حار رطب ، كذلك المحبة حارة رطبة برطوبتها تقوي العبد في الطاعة وبحرارتها ينشط العبد ويسر ، ولكل واحد من هذه الأربعة مرتبة غير مرتبة صاحبه ، فبالخوف طهر اللّه الخلق من أنجاس المشركين وريب المرتابين ، وبالرجاء زينهم بطاعة المطيعين وإحسان المحسنين ، وبالتوكل أغناهم عن الخلائق أجمعين وفرغهم من هموم الراغبين ، وبالمحبة توجههم وحلاهم وأقعدهم على بساط كرامته ليتأهلوا بزيارته ورؤيته في مقعد صدق عند مليك مقتدر . وقال بلال بن سعد : عباد الرحمن أربع خصال جاريات عليكم من الرحمن ( عزّ وجلّ ) مع ظلمكم أنفسكم وخطاياكم : أما رزقه فدار عليكم ، وأما رحمته